الصمت
بين صمت الأرحام وصمت الأكفان , صخب صامت … وصمت صاخب
من صمت الرحم الفاعل الإيجابي نولد , حيث نبدأ الصراخ , لأننا نعتقد أن ما صرنا إليه قاسٍ لا يحتمل , قياساً إلى ما كنا فيه , فتفهم الأم صخبنا ولا أحد يفهم طفلها سواها , تأتي لتلبي حاجتنا , بصمت .
في الصخب . يسود صمت اللامعنى في المجتمع , يتسطح الغالبية , ويتلاشى العمق أو الارتفاع , حتى أن المرء يخال الكائن البشري قد أصبح ببعدين فقط , طولاً وعرضاً . فترى الحشد ينظرون ولا يبصرون , يستمعون ولا يعقلون , وأذا قالوا لايصدقون , يختفون تحت الزينة , تحكم حياتهم العادة , حركية أو كلامية , فهم لا يفكرون إلا قليلا , يجمعهم الإيحاء ويفرقهم المنطق . كالريش , تأخذهم الريح أنـّى شاءت , دون ثقل يشدهم إلى الأرض أو حصانة أو تدبير.
هل رأينا صخباً بقدر صخب المدعون الذين صنف الأمام علي (ر) علمهم بالوضاعه ” أوضع العلم ما وقف على اللسان وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان ” والعبث الذي يجرونه ورائهم جراء سلوكهم المنافي لما يقولون , فهل يُسمَعون ؟ والمتعالمون الذين لا يعرفون , على حد تعبير لاوتسي فيلسوف الصين العجوز حيث يقول ” أن الذين يعرفون لايقولون , وأن الذين يقولون لايعرفون” وهم مخدوعون وخادعون , والمثرثرون ألجهلاء في قياس ألأمام علي (ر) ” إذا تم العقل نقص الكلام ” وهم غير مسؤولون , وكل هذه الصخب الذي يملأ الآفاق , فيمسي المرء بحاجة إلى أن يتمنى مع هنري باربوس: ” انه لشيء خطير ، انه لشيء جليل ومهم ، انتزاع الكلمات الحقيقية من الصمت ، ووضع العقل في مكانه ، واعادة الاعتبار للحقيقة ” انتزاع الحقيقة من الكذب , أنتزاع اللامرئي والحقيقي من كل ما هو حولنا , من الصخب واللامعنى , فتصبح الكلمة والصوت مرادفان للحقيقة . في الذات و الصمت . أين تجلى الصمت الصاخب إلا حيث تتفجر العيون غيضا , والنفوس أحتراقا , والقلوب شوقا , إلى كلمة حق , أو كلمة جميلة , في حضرة الباطل ومعاييره الجديدة القديمة , حيث لايستطيع الرجال الصادقين أن يتعايشوا مع هذا الجو الخانق حسب تعبير نيتشة ” العيش بين الرجال صعب لأن الصمت صعب” وذلك لأن , والقول لنينشة أيضا ” الحقيقة التي لا نجهر بها تغدو سامة ” ولهذا السبب أيضا يبدأ صراع ناجم من عدم الأنسجام مع الآخرين كما يقول أوسكار وايلد ” يبدأ صراع المرء مع نفسه حين يرغم على الأنسجام مع الآخرين ” فكل من الصاخبين يذهب بجزء من روحنا , فيتأجج الصمت الصاخب عند العودة للذات حسب ما يقرر نيتشة ” ان الثورات الصاخبة الجهنمية ليست اعظم الحادثات في اكثر ساعاتنا ضجيجا بل هي في اعمق ساعاتنا صمتا ” ليبرز عنصر آخر يجب أن نتقبله وهو قبول الحقائق كما هي واحتمال كل الظروف الناجمة عن تقبلها كما عبر عن ذلك كيتس ” أن تتحمل جميع الحقائق العارية وتعبر كل الظروف , هذه قمة السيادة على الذات ” لذلك فأن دعوة الذات إلى لقاء أو مواجهتها بعيدا عن الصخب أمر صعب , ولكن عدم القدرة على تحقيقه أمر أصعب حيث أعتبر باسكال عدم القدرة على ذلك مأساة ” مأساة المرء تأتي من عدم قدرته على الجلوس في غرفة هادئة ” . إن الذات ملجأ حصين يذهب اليه المرء للراحة وإعمال الفكر في كل الكيان الفردي واللأجتماعي , حيث أن ميترلنيك أختارها للشخص العزيز عليه ” لو طلب مني اعز شخص عندي أي اختيار يجب ان اقوم به واي ملجا يكون اكثر عمقا واكثر تحصينا واكثر راحة لأجيبه بأن يحمي مصيره في ملجأ الروح التي تسعى للكمال ” الذات ملجأ مريح ولكن ليس لكل روح , بل للروح التي تسعى الى الحقيقة والكمال , حيث لا يستطيع المرء ان يكون كاذب أو مدعي , لأن الكذب لا يكون ألا على الآخرين , فيتعلم الصدق , يتضمنه , ويسكن فيه . الذات ملجأ الأنبياء والحكماء والقادة العظام وأتباعهم المؤمنون بهم وحتى أممهم حينما يصبحوا أمما , حين يزحف حصار الصخب الصامت الأخرس الباطل , فيلجئوا الى العوالي حيث ذواتهم , حيث تاريخهم , لتكون نظرتهم وا سعة , وحكمهم متجرد , مستشرفاً الزمان والمكان , موافق لكل زمان ومكان , لفهم ما هو عابر وبسيط , وترجمته الى الدائم العميق , بتعبير مختصر ذو بيان , فيكون كلامهم حانياً وحقيقياً كما صمتهم الذي عبر عنه الدوس هكسلي ” الصمت حافل بالحكمة والفكاهة وحضور البديهة ” وهو أيضا صمت مدوي , لآن القيم والآفكار المبدعة , قد إستحالت , الى سلوك معبر , ينعكس في كل حركة وسكنه , وكل إيماءة في ،،، المبدع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالناصر صالح الجعيفري